هلال بن محسن الصابي
129
الوزراء
وحدث أبو الحسين عبد اللّه بن أحمد بن عياش القاضي : أن رجلا « 1 » اتصلت عطلته ، وانقطعت مادّته ، فحمل نفسه على أن زوّر كتابا من أبى الحسن بن الفرات إلى أبى زنبور المادرائى عامل مصر في معناه متضمّنا للوصاة به ، والتّأكيد في الإقبال عليه ، والإحسان إليه ، وخرج إليه فلقيه ، وارتاب أبو زنبور بأمره لتغيّر الخطاب فيه عمّا يعهده ، وزيادة تأكيد على ما جرت به العادة في مثله ، وأنّ الدّعاء للرجل في الكتاب أكثر مما يقتضيه محلّه . فراعاه مراعاة قريبة ، ووصله بصلة قليلة ، وارتبطه عنده على وعد وعده به ، وكتب إلى ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه ، وأنفذه بعينه إليه ، واستثبته . وقرأ ابن الفرات الكتاب المزور فوجد فيه ذكر الرّجل بأنه من أهل الحرمات به ، والمواتّ لديه ، وما يقال في ذلك ، ويتبعه مما يعود بمعرفة حقّه واعتماد نفعه . وعرضه على كتّابه وأصحابه ، وعرّفهم الصورة فيه ، وتعجب منها وقال لهم : ما الرأي في أمر هذا الرجل ؟ فقال بعضهم : يؤدّب بالضرب والحبس . وقال آخرون : تقطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا التزوير . وقال أحسنهم محضرا : تكشف لأبى زنبور قصّته ويتقدّم إليه بطرده وحرمانه مع بعد شقّته . فقال لهم ابن الفرات : ما أبعدكم من الخيريّة : وأنفر طباعكم عن الحرّيّة . رجل توسّل بنا ، وتحمّل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا ، واستمداد صنع اللّه ورزقه بالانتساب إلينا تكون ، أحسن أحواله عند أجملكم محضرا تكذيب ظنّه وتخييب سعيه ! واللّه لا كان هذا أبدا . ثم أخذ القلم ووقّع بخطّه على ظهر الكتاب المزوّر : هذا كتابي ، ولست أعرف لم أنكرت أمره واعترضتك شبهة فيه ؟ وليس كلّ من خدمنا وأوجب حقّا علينا عرفته . وهذا رجل تحرّم بخدمتى ، أيّام استتارى
--> ( 1 ) القصة في المنتظم 6 / 191 ونشوار المحاضرة 1 / 23 وابن خلكان ترجمة ابن الفرات علي بن محمد .